mercredi, janvier 25, 2006

هل تستفيد الدول العربية

هل تستفيد الدول العربية من درس المغرب في التصالح مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان؟!



السؤال الذي يفرض نفسه بعد صدور التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة:


ضمن التحقيقات التي أجرتها هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب حول انتهاكات حقوق الإنسان طوال فترة حكم الملك الحسن الثاني أعلن في الأسابيع القليلة الماضية عن اكتشاف مقبرة جماعية ضمت رفات نحو 106 شخص، لقوا حتفهم أثناء قمع حركة احتجاجية بمدينة فاس في ديسمبر 1990 ،وقبل ذلك بفتره وجيزة كانت الهيئة قد أعلنت عن العثور في جنوب البلاد على رفات 50 معارضاً مغربياً خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني. وقد جاءت هذه التطورات في وقت كانت تستعد فيه الهيئة، المعنية بالنظر في انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة التي ارتكبت في المغرب في الفترة ما بين عامي 1960 وحتى 1999، لتسليم تقريرها النهائي للملك محمد السادس بعد عمل استغرق ثلاث سنوات. وقد أمر الملك محمد السادس فور اطلاعه على التقرير بنشر نتائجة وتوصياته للرأي العام. ورغم ما يمكن أن يقال عن سلبيات اعترت عمل واختصاصات اللجنة، إلا أن ذلك لا يقلل من حقيقة كونها أول كيان من نوعه في العالم العربي يأخذ على عاتقه محاولة إحداث قطيعة مع انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي من خلال الاستماع والبث الحي لشهود الضحايا وذويهم ،والتحريات الميدانية لجمع الأدلة والوصول للحقائق، والاطلاع على السجلات والوثائق، ودراسة سبل توفير التعويض المادي والمعنوي لهم أو ما يعرف بجبر الأضرار. وقد نجحت الهيئة بكل المقاييس طوال مدة عملها في تفعيل الحوار المجتمعي بالمغرب حول قضايا حقوق الإنسان، ولعبت دور تعليمي وتربوي من خلال بث جلسات الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في القنوات التليفزيونية العامة، كحدث غير مسبوق في الخبرة العربية.
خطوة في طريق المصالحة

لقد جاءت التجربة المغربية كنتاج لكفاح طويل خاضه المجتمع المدني والحركات السياسية طوال عقود ما بعد الاستقلال. وقد حدثت النقلة النوعية في طبيعة التفاعلات بين النخبة الحاكمة والقوى السياسية في المغرب عام 1998 عندما شكلت أول حكومة في تاريخ المغرب من المعارضة برئاسة عبد الرحمن اليوسفي وعقب تسلم السلطة للملك محمد السادس ووسط انتقادات متكررة لسلبية الدولة المغربية في التعامل مع ملف المختفين قسرياً أعلن الملك محمد السادس عن تشكيل هيئة تحكيم لتعويض ضحايا الاختفاء والاحتجاز القسري وزويهم وعملت هذه الهيئة حتى عام 2003 ورغم أنها أصدرت نحو 3700 قرا نهائي بالتعويضات إى أنها انتقدت بشدة من جانب الفعاليات الحقوقة المغربية كون عملها لم يتسم بالشفافية اللازمة وكان تابعة بشكل كبير للملك كما أنها تعاملت بانتقائية مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الأمر الذي حدا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهي مؤسسة وطنية بالمغرب تأسس عام 1992، أن أوصى الملك بالمبادرة بتشكيل هيئة مستقلة للحقيقة والمصالحة لكي تتعامل مع ملف انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي وتسعى لكشف الحقيقة للرأي العام والتعويض المادي والمعنوي للضحايا. إن مثل هذا النوع من التجارب يعرف في أدبيات حقوق الإنسان بالعدالة الانتقالية وقد شهدت كثير من دول العالم تطبيقات لها كما حدث في جنوب افريقيا عقب انتهاء الحكم العنصري وأيضا بعد سقوط الأنظمة القمعية في بعض دول أمريكا اللاتينية مثل بيرو وتشيلي، وإن اختلفت ممارستها من دولة لأخرى ،طبقا لظروف تطورها السياسي، إلا أن الأصل في هذه التجارب أنها تعبر عن فترة انتقال وتحول في النظام السياسي يسعى المجتمع فيها إلى إحداث قطيعة مع الماضي والتصالح بين قطاعاته المجتمعية المختلفه. إلا أنه في إطار التجربة المغربية ورغم حدوث تحولات سياسية في نهاية التسعينيات نتج عنها اتساع الهامش الديمقراطي بالمقارنة لباقي دول المنطقة العربية إلا أن أركان وهياكل النظام القديم لازالت موجودة ولم يحدث تحول كامل نحو الملكية الدستورية الديمقراطية. أي أن تجربة العدالة الانتقالية في المغرب تمت من داخل النظام وهو ما يفسر اخفاقها الكامل في تقديم مسئولي انتهاكات حقوق الإنسان للعدالة بل والاكتفاء بتحديد الضحايا وتقديم شهاداتهم للرأي العام من خلال جلسات الاستماع العمومية دون حصر أو تحديد للمسئوليات الفردية لجلاديهم. من ناحية أخرى وحسب تقرير أخير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أخفقت الهيئة في التعامل بشكل عادل ومنصف مع ملف ضحايا الدولة من أبناء الصحراء المغربية، والتي تسعى للإنفصال عن المغرب منذ السبعينيات، نظراً لحساسية هذه القضية بالنسبة للحكومة المغربية.




توصيات وقرارات الهيئة
في إطار جهودها للكشف عن مجهولي المصير يذكر تقرير النهائي لهيئة أن العدد الإجمالي لحالات الأشخاص الذين تم استجلاء الحقيقة عن مصيرهم هو 742 حالة وقد توصلت قناعة الهيئة أن نحو 66 حالة تعد حالات اختفاء قسري وأن من واجب الدولة متابعة الكشف عن مصيرهم.من ناحية أخرى قررت الهئة تعويض 9280 ضحية من بينهم 1895 ضحية صدرت لصالحهم قرارات بتعويضات إضافية غير مادية لـتأخذ صور الإدماج الاجتماعي وتسوية أوضاع إدارية ووظيفية كما صدرت لصالح 1499 ضحية أشكال أخرى لجبر الضرر غير التعويض المادي حيث سبق لهم ان استفادوا من تعويضات مالية بموجب هيئة التحكيم للتعويض التي شكلت قبل هيئة الإنصاف والمصالحة. وانطلاقا لما توصلت إليه الهيئة من تضرر بعض الجماعات والمناطق بشكل مباشر أو غير مباشر جراء العنف السياسي والانتهاكات التي حدثت أوصت الهيئة ببعض الإجراءات لجبر الضرر الجماعي من خلال تبني ودعم مشاريع وبرامج للتنمية السوسيو-اقتصادية أو الثاقفية لصالح مدن وجماعات ومناطق معينة. وفي إطار توصياتها لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهكات مرة أخرى أوصت الهيئة بضرورة تبني إصلاحات دستورية وتشريعية في مجال حقوق الإنسان وإدخال إصلاحات في مجال الأمن والعدالة والسياسة الجنائية وإقرار استراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم انتهاكات حقوق الإنسان.ِ
طبقاً للمرسوم الملكي المنشئ للهيئة فإن توصياتها تعد غير ملزمة للحكومة إلا في مجال تعويض الضحايا وعلية فإنه سيظل أمام الحركة الحقوقية في المغرب مسئولية الضغط على صناع القرار، وتفعيل الحوار الوطني، من أجل تنفيذ توصيات الهيئة، ومعالجة قصور التجربة، وبشكل خاص السعي لتقديم كل المتورطين والجلادين إلى العدالة، والقضاء على ثقافة الحصانة والإفلات من العقاب، فضلأ عن الخوض في إصلاحات دستورية وتشريعية لحماية الحقوق والحريات، وتأمين العمل الديمقراطي. ومع ذلك فإن أهمية الحديث عن تجربة الإنصاف والمصالحة لا تنبع فقط من الانجازات التي حققتها لصالح ضحايا سنوات الرصاص بالمغرب ولكن كونها درس يمكن البناء عليه في المنطقة العربية في وقت أصبحت شعوبه تتطلع إلى المجتمع الدولي لتحقيق العدالة نتيجة غياب سبل الانتصاف الوطنية وهشاشة الأنظمة القضائية في الدول العربية. والأمثلة كثيرة على ذلك، فلم يقبع مجرمي النظام العراقي خلف القضبان، إلا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ولم يعود الأمل إلى ضحايا الانتهكات واسعة النطاق التي ارتكبت في منطقة دارفور بالسودان منذ عام 2003، إلا مع إحالة مجلس الأمن هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفي لبنان لم يجد الشعب اللبناني مفر من التطلع إلى التدخل الدولي لحماية ديمقراطيته واستقلاله.

للمشاركة في مجموعة الحوار الرجاء إرسال المادة الخاصة بكم علي أحد العناوين التالية
hr-education-ar@hrea.org
معتز الفجيري
melfegiery@hotmail.com